عبد الوهاب الشعراني

39

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان رضي اللّه عنه شديد الحياء حتى أنه ليكون في البيت والباب مغلق عليه فما يضع عنه الثوب عند الغسل ليفيض عليه ، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه ، وكان يصوم النهار ويقوم الليل إلا هجعة من أوله ، وكان يختم القرآن في كل ركعة كثيرا . « 1 » وكان يخطب الناس وعليه إزار عدني غليظ ثمنه أربعة دراهم أو خمسة ، وكان يطعم الناس طعام الإمارة ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت ، وكان يردف خلفه غلامه أيام خلافته ولا يستعيب ذلك ، وكان إذا مر على المقبرة بكى حتى بل لحيته رضي اللّه عنه ، ومناقبه كثيرة مشهورة رضي اللّه تعالى عنه . 4 - ومنهم الإمام علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه : ونسبه مشهور وكان رضي اللّه عنه يقول الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئا فليصبر على مخالطة الكلاب . قلت : والمراد بالدنيا ما زاد على الحاجة الشرعية بخلاف ما دعت الضرورة إليه ، وذلك أن فضول الدنيا ما زاد على الحاجة الشرعية بخلاف ما دعت الضرورة إليه ، وذلك فضول الدنيا شهوات وأهل الشهوات كثير ولذلك ما رؤي زاهد قط في محل مزاحمة على الدنيا كما هو مشاهد ، وإنما سمي طالب الفضول كلبا للدنيا لتعلق قلبه بها لأن الكلب مأخوذ من التكلب وكل من عسر عليه فراق شهوته فهو كلبها فافهم فما توسع من توسع في مأكل أو ملبس إلا لقلة ورعه ، والشارع لم يأمرنا بالتوسع في الشهوات ، واللّه أعلم . قال أبو عبيدة رحمه اللّه ارتجل الإمام علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه تسع كلمات ، قطع الأطماع عن اللحاق بواحدة منهن ، ثلاث في المناجاة وثلاث في العلم ، وثلاث في الأدب ، فأما التي في المناجاة فهي قوله : كفاني عزا أن تكون لي ربا وكفي بي فخرا أن أكون لك عبدا ، أنت لي كما أحب فوفقني لما تحب ، وأما التي في العلم فهي قوله المرء مخبوء تحت لسانه ، فتكلموا تعرفوا ، ما ضاع امرؤ عرف قدره ، وأما التي في الأدب فهي قوله أنعم على من شئت تكن أميره واستغن عمن شئت كن نظيره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره .

--> ( 1 ) سورة يونس : الآية 62 .